


أخلاقيات الذکاء الاصطناعي ونموذج التقدّم في إيران
✍🏼 الدکتور حسين علي رحمتي
مدرّس وباحث في أخلاقيات الذکاء الاصطناعي، ایران
١٤٤٨/٠٥/١٦
کما يميل الإنسان فطريًّا إلى النموّ والتطوّر في حياته الفردية، فإنه يشعر بالحاجة إلى ذلک في حياته الاجتماعية أيضًا، ويسعى باستمرار إلى تحقيقه. ولولا ذلک، لکان علينا اليوم أن نعيش على غرار الأجيال الأولى من البشر. وفي هذا السياق، أصبح «النموّ/التنمية/التقدّم» (Development and Progress) في العصر الحديث موضوعًا مهمًّا في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من المجالات.
إذا عرّفنا «التقدّم» بأنه عملية الارتقاء المنهجي بالمعرفة والتکنولوجيا والمؤسسات الاجتماعية والظروف المعيشية للإنسان، فمن الطبيعي أن يرتبط تحقّقه بمجموعة من المقوّمات التي تشمل مختلف أبعاد حياة المجتمع. وتُعدّ «الأخلاق» أحد هذه المقوّمات.\
ونظرًا إلى الحضور المتزايد للتکنولوجيات الحديثة، ولا سيما الذکاء الاصطناعي، في حياة الإنسان المعاصر، وما تترکه من آثار في التقدّم والأخلاق، فمن الضروري أن يتعامل المهتمّون والمؤسسات المعنية مع «العلاقة بين الذکاء الاصطناعي والأخلاق والتقدّم» بوصفها قضية مهمة، وأن تُدرس أبعادها وجوانبها دراسة علمية.
📌 تُعَدّ خطة التقدّم والتنمية، إن لم تکن أهمّ الخطط الاستراتيجية الکبرى للمجتمع، واحدةً من أهمّها، وتقع مسؤولية وضعها وتنفيذها على عاتق الحکومة. ومن جهة أخرى، يُعَدّ الذکاء الاصطناعي اليوم أحد العوامل المؤثّرة في هذا المجال. ونظرًا إلى ما يترتّب على استخدامه من تداعيات أخلاقية، ينبغي أن يحظى المثلث المکوَّن من «الأخلاق والتنمية والذکاء الاصطناعي» باهتمام الجهات الحاکمة والباحثين في الأخلاق، بوصفه مشروعًا بحثيًّا استراتيجيًّا واسع النطاق. وفيما يلي بعض أبرز المحاور التي يمکن أن تتناولها هذه الدراسة:\
✦ ١. تعريف مفاهيم التقدّم والنموّ والتنمية، وبيان الفروق بينها.\
✦ ٢. العلاقة بين الأخلاق والتنمية.\
✦ ٣. وظائف الذکاء الاصطناعي وتطبيقاته في عملية التنمية.\
✦ ٤. مکانة أخلاقيات الذکاء الاصطناعي في إعداد الوثائق الاستراتيجية العليا والخطط التوجيهية للتنمية.\
✦ ٥. الفرص التي يتيحها استخدام الذکاء الاصطناعي في التنمية، والمتطلّبات الأخلاقية اللازمة لهذا الاستخدام.\
✦ ٦. التحدّيات الأخلاقية الناجمة عن هذا الاستخدام.\
✦ ٧. السبل الکفيلة بالحدّ من هذه التحدّيات أو معالجتها.\
✦ ٨. مسؤوليات کلٍّ من الجهات المعنية وأصحاب المصلحة.\
✦ ٩. آليات الرقابة على تنفيذ المبادئ والالتزامات الأخلاقية.\
✦ ١٠. المزايا التي يوفّرها المنظور الأخلاقي الديني في هذا المجال.\
🖌 وهذه المحاور ليست سوى أمثلة أولية، أمّا الإطار المتکامل لهذا المشروع، فينبغي أن يُصاغ بمشارکة المتخصصين والخبراء ذوي الرأي في هذا المجال.
🛠 ينبغي أن تتحقّق التنمية والتقدّم بصورة متوازنة، وأن يشملا جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية للمجتمع، بأبعادها المادية والمعنوية. ومن هذا المنظور، لا بدّ أن يستندا إلى مجموعة من المقوّمات، من قبيل إنتاج المعرفة وتراکمها ونقلها وتوظيفها، فضلًا عن تحسين المؤشرات الإنسانية والاجتماعية. ويمکن للذکاء الاصطناعي أن يسهم إسهامًا فاعلًا في جميع هذه المجالات.\
🛠 وبالاستعانة بالذکاء الاصطناعي، يمکن إنتاج المعرفة وتوزيعها، وتحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين الحوکمة، والإسهام في الحدّ من الجريمة، والارتقاء بالصحة العامة، وتعزيز العدالة التعليمية، وتحسين جودة الإدارة، والحيلولة دون تدهور البيئة، وتوسيع نطاق الخدمات العامة وخفض تکاليفها، وتهيئة الظروف للنمو والإبداع والابتکار، وتوفير فرص العمل، والتنبؤ بالأزمات المستقبلية، وصون التراث العلمي والثقافي والتعريف به.\
📌 وعليه، لم يعد من الممکن اليوم تحقيق النتائج المرجوّة من أيّ خطة تنموية من دون الاستعانة بالذکاء الاصطناعي. غير أنّ الذکاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى موجِّه يحدّد مساره ويرشد استخدامه، ألا وهو «الأخلاق»، وهو موضوع يستحقّ تناولًا مستقلًّا.
▪️ عند دراسة العلاقة بين الذکاء الاصطناعي والأخلاق والتنمية، يمکن القول إن الذکاء الاصطناعي وغيره من التکنولوجيات الحديثة يتولّيان إلى حدّ کبير الجانب التقني من العملية، ويشکّلان بمثابة عربة تحتاج إلى من يقودها. أو بعبارة أخرى، هما أشبه بوسائل نقل لا تستطيع بلوغ وجهتها من دون دليل وخريطة طريق، بل قد تضلّ الطريق، وتُضلّل السائق، وتجرّ الرکّاب إلى الهلاک.\
▪️ فما هذا الدليل؟ إنّه، بکلمة واحدة، «الأخلاق». فالتنمية والتقدّم يُفترض أن يحقّقا للإنسان مزيدًا من الرفاه والراحة، کما يُفترض أن يسهم الذکاء الاصطناعي في تحقيق ذلک، وهو قادر على الإسهام فيه. غير أنّه ما لم تُحدَّد المبادئ والأهداف الأخلاقية التي ينبغي أن توجّه هذه العملية، فقد يتحقّق «الرفاه»، ولکنّ «السعادة الحقيقية» لن تتحقّق بالضرورة.\
❗️ ومن هنا، ينبغي النظر إلى «المفکّرين في الأخلاق» بوصفهم أحد الأطراف المشارکة في تصميم عملية التنمية، وإشراکهم في مسارها. غير أنّ ذلک يتطلّب توافر جملة من المقوّمات والشروط اللازمة، من بينها إعداد متخصصين في مجال «أخلاقيات الذکاء الاصطناعي والتنمية». وينبغي الشروع في هذا العمل في أقرب وقت ممکن، فقد تأخّرنا بالفعل في البدء به.
🔻 إن تنمية المجتمع وتقدّمه عملية طويلة الأمد وواسعة النطاق ومکلفة، وترتبط بمصير الجيل الحالي والأجيال القادمة. ومن الطبيعي أن يسهم توظيف الذکاء الاصطناعي في هذه العملية في تسريع وتيرتها. غير أنّ هذه العملية ينبغي أن تخضع باستمرار للرقابة والتقييم، ضمانًا لعدم انحرافها عن مسارها الصحيح. وهذا يتطلّب وجود «مؤشّرات» و«معايير مرجعية» يُستند إليها في التقييم.\
🔻 تتعلّق بعض هذه المؤشّرات بالتقدّم المادي، لکن ينبغي، إلى جانبها، بل حتى قبلها، اعتماد مقياس ومعيار لضبط العملية ومراقبتها من منظور قيمي. ويتمثّل هذا المعيار في «الأخلاق». وهذا يعني أنّ واضعي خطط التنمية والتقدّم في بلدنا ينبغي لهم أن يحدّدوا منذ البداية الأهداف الأخلاقية لهذه الخطط، وأن يضعوا معايير قابلة للقياس يمکن من خلالها تقييم مدى اقتراب کل خطة من تلک الأهداف الأخلاقية أو ابتعادها عنها في کل مرحلة من مراحل تنفيذها.\
🔻 ومن الضروري أيضًا وضع آليات لتصحيح مسار العمليات من الناحية الأخلاقية. وأخيرًا، ينبغي تدوين جميع هذه الأمور وإدراجها في الوثائق الاستراتيجية العليا للتنمية، حتى تکتسب الصفة الرسمية.
في البرامج الکبرى التي تؤثر في حاضر المجتمع ومستقبله، مثل برامج التنمية والتقدّم في إيران، تؤدي «الرؤية» التي يتبنّاها واضعو هذه البرامج دورًا بالغ الأهمية في تحديد «کيفية» التخطيط لها. ومن ثمّ، فإنّ الذين يسعون إلى تبيين مکانة الذکاء الاصطناعي وتحديدها في النموذج الإسلامي الإيراني للتقدّم والتنمية، ينبغي لهم أولًا أن يحدّدوا، بصورة «واقعية» و«منصفة»، تصوّرهم لمکانة هذه التکنولوجيا في عالم الحياة الذي يعيشه المجتمع الإيراني اليوم. وعندئذٍ يمکنهم تکوين رؤية سليمة وقابلة للتطبيق بشأن الدور الأخلاقي للذکاء الاصطناعي.\
ومن أهمّ النقاط في هذا السياق أنّ الذکاء الاصطناعي اليوم ليس مجرّد تکنولوجيا أداتية، شأنه شأن التقنيات السابقة، بل أصبح جزءًا من «القدرة العقلية» للإنسان المعاصر، ومن عمليّات التفکير واتخاذ القرار وحلّ المشکلات وتدبير شؤون الحياة.\
وإذا لم تُصَغ برامج التنمية من هذا المنظور، فلا ينبغي توقّع أن تحظى، عند التنفيذ، بتفهّم المجتمع وتعاونه. ومن الواضح أنّها لن تحقق النتائج المنشودة أيضًا.\
في بلدنا، وُضعت وثائق مختلفة في مجال التنمية، من قبيل «خطط التنمية الخمسية» و«وثيقة الرؤية» و«النموذج الإسلامي الإيراني للتقدّم». وتکمن أهمية هذه الوثائق في أنّها تحدّد التوجّهات والأولويات والمتطلبات والضرورات التي ينبغي أن توجّه التخطيط والاستثمار والأنشطة المستقبلية للبلاد؛ ومن الطبيعي أن تکون المؤسسات والمنظمات ملزمة بمراعاتها.\
وبناءً على ذلک، إذا کان من المقرّر توظيف الذکاء الاصطناعي في مسار التنمية والتقدّم ــ وهو أمر ينبغي القيام به ــ وإذا کان من المقرّر أخذ «الأخلاق» في الحسبان، سواء بوصفها أساسًا أو غايةً أو نهجًا عمليًا، فلا بدّ للقائمين على إعداد هذه الوثائق وتنفيذها من أن يبيّنوا بدقّة مکانة الأخلاق، وأن يوضّحوا کيفية مراعاتها في جميع مراحل العمل، من البداية إلى النهاية، وأن يحدّدوا الأشخاص والمؤسسات المسؤولة عن مراقبة الالتزام بها، فضلًا عن الأدوات والآليات الرقابية التي تمتلکها هذه الجهات.\
ومن البديهي أيضًا أن تخضع هذه الوثائق، قبل إقرارها وتنفيذها، للنقد والتقويم من منظور مدى اهتمامها بالأخلاق.\
ينبغي تناول مسألة الذکاء الاصطناعي وأخلاقيات التنمية في إيران أيضًا من منظور علاقتها بـ«الحکومة الدينية» في بلدنا. ولهذا النقاش بُعدان: أحدهما حوکمي، والآخر ديني، ولکلّ منهما مقتضيات ومتطلبات خاصة.\
فعلى سبيل المثال، من المنظور الحوکمي، ينبغي تحديد مکانة الذکاء الاصطناعي في صياغة خطط التنمية على نحو يمکّن البلاد من المنافسة مع الدول الأخرى، ولا سيما دول المنطقة، بحيث لا تتخلّف عنها فحسب، بل تکون أيضًا في طليعة الدول.\
أمّا من المنظور الإسلامي، فينبغي صياغة خطط التنمية على نحو ينسجم مع المکانة العليا التي تحتلّها «الأخلاق» في منظومة المعارف الدينية، ومع تربية الإنسان الأخلاقي وتکوين مجتمع أخلاقي نموذجي.\
وعلى الرغم من أنّ هذا الأمر قد يبدو سهلًا عند الحديث عنه، فإنّه يواجه تحدّيات نظرية وتنفيذية تستلزم التفکير في حلول مناسبة. ومن ذلک، على سبيل المثال، کيفية تحقيق التناسب والانسجام بين «الواقعية والمطلقية» في الأحکام الأخلاقية الإسلامية، وبين الأوضاع المتغيّرة والمتحوّلة للمجتمع الإيراني المعاصر ومتطلبات الحوکمة فيه.\
إنّ توظيف الذکاء الاصطناعي في مجال التنمية والتقدّم ينطوي باستمرار على خطر کبير يتمثّل في «الانبهار بمزايا هذه التکنولوجيا» و«الغفلة عن أضرارها الأخلاقية». وتحول هذه المعضلة دون أن ينظر واضعو برامج التنمية ومنفّذوها نظرة واقعية إلى الوظائف والآثار الأخلاقية للذکاء الاصطناعي. وقد يکون لهذا المنظور أثر ضارّ أقلّ في الحياة الفردية، لکنّه قد يصبح بالغ الضرر والخطورة حين يتعلّق الأمر ببرنامج يشکّل خارطة طريق للتحرّکات الکبرى في المجتمع.\
ومن هنا، ينبغي لجميع أصحاب المصلحة في برامج التنمية، من واضعيها إلى القائمين على تنفيذها، أن يکتسبوا، على نحو علمي ودقيق، الوعي اللازم بـ«الطبيعة المزدوجة» للوظائف والآثار الأخلاقية للذکاء الاصطناعي في هذا المجال.\
ومن الطبيعي ألّا يکون من الممکن وضع وصفة موحّدة لجميع أصحاب المصلحة هؤلاء؛ بل ينبغي إعداد حزم تدريبية ملائمة لکلّ فئة، وفقًا للإمکانات والمسؤوليات المتاحة لها، وتحديد الأهداف المناسبة، والأهمّ من ذلک، إخضاع تنفيذ هذه البرامج للمتابعة والرقابة، على المستويين النظري والعملي، کيلا تُضحّى «الأخلاق» على مذبح «التنمية».\
إنّ الاهتمام بمکانة الأخلاق في عملية التنمية والتقدّم لا يقلّ أهميةً عن توظيف الذکاء الاصطناعي في هذا المسار. غير أنّ الأخلاق لن تحتلّ مکانتها المناسبة ما لم يشارک المتخصصون في الأخلاق، منذ المراحل الأولى لإعداد خطط التنمية وحتى انتهاء تنفيذها.\
ويتطلّب ذلک توافر متخصصين في هذا المجال، وهو أمر لن يتحقّق ما لم تبادر جميع المؤسسات والجهات المعنية بالأخلاق، ولا سيما الحوزات العلمية والجامعات، إلى ما يأتي:\
1\. استشعار المسؤولية تجاه المشارکة في هذا المجال.\
2\. إدراج أدبيات أخلاقيات التنمية والتقدّم ضمن برامجها العلمية والبحثية.\
3\. إنتاج محتوى علمي يتناسب مع احتياجات هذا المجال.\
4\. العمل على إعداد کوادر متخصصة تمتلک الرؤية والخبرة اللازمتين في هذا المجال.\
5\. إقامة علاقات مؤسسية منتظمة ومستمرّة وواضحة المعالم مع جميع المنظمات والجهات صاحبة المصلحة.\
وأخيرًا، من المناسب جدًا إنشاء مرکز لمتابعة هذه الأعمال جميعها، تحت مسمّى مثل «أمانة أخلاقيات الذکاء الاصطناعي وبرامج التنمية»، أو تعزيز أي جهة قائمة تؤدّي وظيفة مماثلة إن وُجدت
05:54:53
07:26:15
12:20:00
17:12:25
17:33:24